العيني

294

عمدة القاري

لا يحتاج إلى ذلك ، بل اللام هنا بمعنى : عند ، كقولهم : كتبته لخمس خلون ، والدليل عليه ما رواه البخاري عن مالك عن المقبري في الرقاق بلفظ : من كانت عنده مظلمة لأخيه . . . والأحاديث يفسر بعضها بعضاً . قوله : ( مظلمة ) ، قال ابن مالك : مظلمة ، بفتح اللام وكسرها ، والكسر أشهر ، وقد روي بالضم أيضاً . وفي ( التوضيح ) : قال القزاز بضم اللام وكسرها ، وفي ( أدب الكاتب ) لابن قتيبة بفتح اللام ، ونقل ابن التين عن ابن قتيبة فتح اللام وكسرها . قال : وضبط عن ( الصحاح ) ضمها ، وهو خطأ . قوله : ( من عرضه ) ، بكسر العين ، وعرض الرجل موضع المدح والذم منه ، سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره ، وقيل : هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص أو يثلب . وقال ابن قتيبة : عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير . قوله : ( أو شيء ) ، أي : من الأشياء ، وهو من عطف العام على الخاص ، فيدخل فيه المال بأصنافه والجراحات حتى اللطمة ونحوها ، وفي رواية الترمذي : من عرض أو مال . قوله : ( فليتحلله ) ، قال الخطابي : معناه : يستوهبه ويقطع دعواه عنه ، لأن ما حرم الله من الغيبة لا يمكن تحليله ، وجاء رجل إلى ابن سيرين ، فقال : اجعلني في حل فقد اغتبتك ، فقال : إني لا أحل ما حرم الله تعالى ، ولكن ما كان من قبلنا فأنت في حل ، ويقال : معنى : فليتحلله إذا سأله : أن يجعله في حل ، يقال : تحللته واستحللته . قوله : ( اليوم ) ، نصب على الظرف أراد به في الدنيا . قوله : ( قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ) ، يعني : يوم القيامة . قوله : ( إن كان له عمل صالح . . . ) إلى آخره ، معنى أخذ الحسنات والسيئات أن يجعل ثوابها لصاحب المظلمة ، ويجعل على الظالم عقوبة سيئاته . قال الكرماني : فإن قلت : ما التوفيق بينه وبين قوله تعالى : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( الأنعام : 461 والإسراء : 51 وفاطر : 81 والزمر : 7 ) . قلت : لا تعارض بينهما لأنه إنما يعاقب بسبب فعله وظلمه ، ولم يعاقب بغير جناية منه ، لأنه لما توجهت عليه حقوق للغرماء دفعت إليهم حسناته ولما لم يبق منها بقية ، قوبل على حسب ما اقتضاه عدل الله تعالى في عباده ، فأخذوها من سيئاته فعوقب بها . انتهى . قلت فيه : ما فيه يعلم بالتأمل . ذكر ما يستفاد منه : قام الإجماع على أنه إذا بين مظلمته عليه فأبراه فهو نافذ ، واختلفوا فيمن بينهما ملابسة أو معاملة ثم حلل بعضهما بعضاً من كل ما جرى بينهما من ذل ، فقال قوم : إن ذلك براءة له في الدنيا والآخرة ، وإن لم يبين مقداره وقال آخرون : إنما تصح البراءة إذا بين له وعرف ماله عنده أو قارب ذلك بما لا مشاحة في ذكره ، وهذا الحديث حجة لهذا ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم : * ( أخذت منه بقدر مظلمته ) ، يدل أنه يجب أن يكون معلوم القدر مشاراً إليه ، وكان ابن المسيب لا يحلل أحداً ، وكان ابن يسار يحلل من العرض والمال ، وقال مالك : أما المال فنعم ، وأما من العرض : * ( فإنما السبيل على الذين يظلمون الناس ) * ( الشورى : 24 ) . وقال الداودي : أحسب مالكاً أراد : إن أصاب من عرض رجل لم يجز لوارثه أن يحلله . وقال ابن التين : وأراه خلافاً لقول مالك ، لأنه قال : إن مات ولا وفاء عنده ، فالأفضل أن يحلله ، وأما من ظلم أو اغتاب فلا ، وذكر الآية ، وكان بعضهم يحلل من عرضه ويتأول الحسنة بعشر أمثالها ، وكان القاسم يحلل من ظلمه وقال الخطابي : إذا اغتاب رجل رجلاً فإن كان بلغ القول منه ذلك فلا بد أن يستحل ، وإن لم يبلغه استغفر الله ولا يخبره ، وأما التحلل في المال فإنما يصح ذلك في أمر معلوم ، وقال بعض أهل العلم : إنما يصح ذلك في المنافع التي هي أعراض ، مثل أن يكون قد غصبه داراً فسكنها ، أو دابةً فركبها ، أو ثوباً فلبسه أو يكون أعياناً فتلفت ، فإذا تحلل منها صح التحلل ، فإن كانت الدار قائمة والدراهم في يده حاصلة لم يصح التحلل منها إلاَّ أن يهب أعيانها منه ، فتكون هبة مستأنفة . قال أبو عبْدِ الله قال اسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ إنَّما سُمِّي الْمَقْبُرِيُّ لِأَنَّهُ كانَ نَزَلَ ناحِيَةَ الْمَقابِرِ أبو عبد الله هو البخاري ، وإسماعيل بن أبي أويس من شيوخه ، واسم أبي أويس عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت مالك بن أنس قوله : ( إنما سمى ) ، أي : سعيد ، المذكور في سند الحديث : المقبري لنزوله ناحية المقابر بالمدينة النبوية . وقوله : ( قال أبو عبد الله . . . ) إلى آخره ، إنما يثبت في رواية الكشميهني وحده . قال أبُو عبد الله وسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلاى بَنِي ليْثٍ وهْو سَعيدُ بنُ أبي سَعِيدٍ واسم أبي سعيد كَيْسَانُ هذا أيضاً في رواية الكشميهني وحده ، وأبو عبد الله هو البخاري ، وكان اسم أبي سعيد كيسان ، كان مكاتباً لامرأة من أهل المدينة من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وكيسان روى عن عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي سعيد